
محاضرة (١)
تاريخ فن الجداريات
- لقد وُجد فن الرسم الجداري منذ آلاف السنين، مما يجعله ربما أقدم شكل فني في تاريخ البشرية.
مصطلح «جدارية» مشتق من الكلمة اللاتينية «murus» التي تعني «جدار». ويمكن أن يتخذ فن الجداريات أشكالاً متنوعة، من الجداريات التقليدية إلى فنون الغرافيتي الحديثة. فمنذ أن بدأ الإنسان الرسم بالألوان، دأب على الرسم على الجدران. وكان ذلك منذ زمن بعيد جدًا!
من العصر الحجري إلى العصور الوسطى إلى العصور القديمة وفن الشارع والجداريات الحديث.
ليست الرسومات الجدارية اختراعاً جديداً، بل على العكس تماماً! فمنذ حوالي 65 ألف عام، ترك إنسان (نياندرتال) علامات ملونة على الأحجار. وتألفت رسومات الكهوف في العصر الحجري المبكر بشكل أساسي من علامات منحوتة ورسومات بسيطة للحيوانات والبشر كوسيلة إضافية للتواصل والتفاهم، إلى جانب الوسائل البصرية (إشارات الدخان) والصوتية (قرع الطبول).
في العصور القديمة، ازدهر فن الرسم على الجدران لدى حضارة المايا في أمريكا الجنوبية، والنوبيين في أفريقيا، وبالطبع في آسيا، ولكن بشكل خاص في أوروبا القديمة. وقد عُثر على بقايا لوحات جدارية ضخمة في ألمانيا واليونان؛ وفي روما القديمة، كان فن الرسم على الجدران رائجًا للغاية، وربما كان أكثر شيوعًا من أي وقت مضى. كانت معظم المنازل في ذلك الوقت مزينة بلوحات جدارية ملونة تصور مشاهد من الحياة اليومية، والأساطير، ومشاهد أخرى.
في العصور الوسطى، أصبح فن الجداريات جزءًا لا يتجزأ من العمارة الدينية لعدة قرون. وعكست هذه اللوحات الطابع الديني المتأثر بالمسيحية، حيث صوّرت في المقام الأول مشاهد من الكتاب المقدس وقديسين. وبينما كانت جداريات العصرين الرومانسكي والقوطي بسيطة نسبيًا، فقد بلغت من الواقعية والدقة تفاصيلها خلال عصر النهضة، ثم في العصر الباروكي. وقد رُسمت العديد من أشهر هذه اللوحات بأسلوب الفريسكو وهو(هو واحد من أشكال الفن التي يتم فيها استخدام الجبس كمادة لكسوة الاسقف أو الحوائط والرسم عليها بشكل فني وكلمة فريسكوكلمة ايطالية affresco وتعني طري) ، وأصبحت منذ ذلك الحين مثالًا يُحتذى به في فن الرسم على الجدران.
جدارية فريسكو من دير مار موسى الحبشى فى سوريا
تاريخ الفريسكو:
تاريخ التصوير الفريسكواأوالجصى قديم ففيه أعمال التصوير الجصى فى حوض المتوسط وخصوصاً فى مصر و المغرب. واتوجدت اعمال فى اليونان و الهند و غيرها. و فى عصر النهضه فى اوروبا فسجلت الكتير من اعمال الفريسكو التي بقى أثرها واضح في عدد من جداريات الفاتيكان و ايطاليا.
التصوير الفريسكو من القرن السادس الميلادى من الهند. تصوير جصى عربى من قصر عمرة الأموى فى الأردن
فريسكو من بافاريا فى المانيا
الزخارف الجدارية في آثار بغداد:
تُعد الزخارف الجدارية في آثار بغداد شاهداً معمارياً وفنياً يعكس عبق الحضارة الإسلامية، لا سيما العصر العباسي الذي ازدهرت فيه فنون «الأرابيسك» وتشكيلات الجص والآجر. وتتميز هذه الزخارف بمزيج فريد يجمع بين الدقة الهندسية، والخطوط النباتية، والنقوش الكتابية التي تزين واجهات القصور والمساجد التاريخية.
تتجلى أبهى صور هذه الزخارف في أبرز المعالم التاريخية للعاصمة العراقية:
1. زخارف القصر العباسي
يُعد القصر (المعروف بدار الخلافة) تحفة فنية تبرز فيه مهارة تطويع «الآجر» (الطابوق) لصناعة زخارف جدارية غاية في الدقة، وتشمل:
• الأشكال الهندسية: تصفيف قطع الآجر بأساليب متباينة لخلق ظلال تعطي أشكالاً بارزة ومتنوعة.
• الزخارف النباتية: النقوش المحفورة التي تحاكي سعف النخيل والأوراق الجناحية لملء الفراغات بين الأشكال الهندسية.
2. المدرسة المستنصرية
تُعرف بجمال نقوشها المصممة على الطريقة العباسية والتي تظهر بوضوح على بوابتها الرئيسية:
• تعتمد الزخارف بشكل أساسي على الحفر والتشكيل بقطع الآجر.
• تشمل الواجهات أطباقاً نجمية ثنائية وعشارية وعقوداً مزخرفة تعكس الإبداع الهندسي للمعماري المسلم.
3. مئذنة جامع الخلفاء (منارة سوق الغزل)
تعد الأثر المعماري الوحيد المتبقي من دار الخلافة العباسية القديمة:
• الأشكال المعينية: تزين السطح الدائري للمئذنة التي بنيت بالآجر فقط لتعطي تأثيراً جمالياً متميزاً.
• المقرنصات: حليات معمارية تشبه خلايا النحل أو المحاريب متعددة الطبقات.
• الكتابات الكوفية: يحيط بالقسم الأسفل من المئذنة حزام زخرفي يحمل كتابات بالخط الكوفي المشجر.
فن الجداريات الحديث
التواصل والإبداع خارج جدران منزلك الأربعة: فن الجداريات الحديث كرسالة لجعل العالم أفضل وأكثر إشراقاً.
بعد أن طواها النسيان لعدة قرون، أُعيد اكتشاف فن الرسم الجداري في مطلع القرن العشرين، لا سيما في الدول الاشتراكية(سابقا). ونشأت في المكسيك حركة فنية مهمة في هذا المجال، تميزت بتصويرها لرموز مستقبلية تبعث على الازدهار. وتُعرف هذه الحركة الفنية أيضاً باسم «الموراليزمو».
مع ازدهار فن الشارع الحديث، ازدادت شعبية الرسم الجداري في أوروبا. وتنتشر اليوم العديد من الجداريات، خاصةً في شمال وشرق أوروبا، وكذلك في ألمانيا. تُعرف هذه الأعمال باسم الجداريات. ويجب عدم الخلط بينها وبين فن الغرافيتي، مع أن التمييز بينهما قد يكون غير واضح.
تُعرف الجداريات، كما يُفهم المصطلح اليوم، بأنها ضخمة الحجم، إذ تغطي جدران المباني بأكملها. تُصنع باستخدام الطلاء أو بخاخات الطلاء أو حتى تقنية العرض الضوئي، وعادةً ما تكون مُخصصة للعرض العام. في حين أن الكتابة على الجدران غالباً ما تُربط بالرسومات السريعة أو الأعمال الفنية غير القانونية، فإن الجداريات عادةً ما تكون مسموحة أو حتى مُكلفة بهدف تجميل الأحياء.
لا شك أنها جميلة المنظر، وغالباً ما تحمل معاني أعمق بكثير من مجرد كونها فناً بصرياً. ففي فن الرسم على الجدران الحديث، تُعدّ الجداريات بمثابة صوت، وفن يحمل رسالة.
يستخدم العديد من الفنانين الجداريات للتعبير عن قضايا اجتماعية. فكثيراً ما تصور هذه الجداريات صوراً لنشطاء أو تدعو إلى المساواة الاجتماعية. أما فيما يخص حماية البيئة، فيتناول الفنانون مواضيع مثل تغير المناخ، والأنواع المهددة بالانقراض، والحلول المستدامة. كما تُستخدم الجداريات أيضاً بشكل متكرر كشكل من أشكال الاحتجاج السياسي لانتقاد الحكومات أو الظلم.
يمكن إنشاء الجداريات بطرق متنوعة، وذلك بحسب التقنية والمواد والأسلوب. نستعرض فيما يلي أكثر الطرق شيوعاً.
تُعدّ الطريقة التقليدية لطلاء الجدران هي استخدام الفرش والأسطوانات مع دهانات الأكريليك أو دهانات الواجهات. وهذا يسمح بإنشاء أعمال فنية دقيقة تدوم طويلاً.
من تقنيات فن الشارع الأخرى استخدام مزيج من طلاء الرش والقوالب لإنشاء رسومات دقيقة. يقوم بعض الفنانين بطباعة أعمالهم على الورق أو القماش ثم لصقها على الجدران. هذه التقنية، المعروفة باسم فن الملصقات، أسرع من الرسم لكنها لا تدوم طويلاً.
تستخدم الجداريات الحديثة أيضاً الضوء والفن الرقمي، على سبيل المثال كعروض مؤقتة على المباني كما هو الحال في مهرجان الأضواء السنوي في برلين.
بغض النظر عن التقنية المستخدمة، فإن الجدارية الجيدة تحتاج إلى فكرة، وجزء كبير من الإبداع!
تنتشر الجداريات اليوم في جميع أنحاء العالم، من برلين إلى ريو دي جانيرو إلى لوس أنجلوس. وهي ليست مجرد فن، بل هي أيضاً تعبير عن الهوية والثقافة والاحتجاج: فهي تحتفي بالهويات الثقافية والتاريخ والتقاليد والتنوع في مدينة أو مجتمع ما.
برلين جنةٌ لفن الشارع! ستجدون في منطقتي كروزبرغ وفريدريشاين تحديداً جدارياتٍ رائعة، من بينها أعمالٌ لفنانين مثل بلو وفيكتور آش. وقد حوّل معرض إيست سايد أجزاءً من جدار برلين السابق إلى عملٍ فني، ويضمّ، من بين أعمالٍ أخرى، لوحة «القبلة الأخوية» الشهيرة للفنان ديمتري فروبل.
في لندن، تشتهر منطقة شوريديتش بلوحات جدارية للفنان بانكسي وغيره. ستجد فيها دائمًا أعمالًا جديدة لتكتشفها! من اللوحات الجدارية العملاقة إلى رسومات فن البوب الملونة، تزخر لوس أنجلوس باللوحات الجدارية في كل زاوية، وخاصة في شاطئ فينيسيا ووسط المدينة. تشتهر بوينس آيرس بلوحاتها الجدارية الملونة، لا سيما في حي باليرمو. أما بوغوتا، فتضم أحد أكثر المشاهد الفنية حيوية في أمريكا الجنوبية، حيث تمزج بين الفن السياسي وجماليات فن الشارع.
عند السفر، من المفيد دائمًا البحث عن الجداريات - فهي غالبًا ما تخبرك عن المدينة أكثر من أي دليل سياحي!
(خلاصة القول: الرسومات الجدارية أكثر من مجرد طلاء على الحائط)
هناك العديد من الأساليب المختلفة لفن الجداريات التي يمكن اكتشافها حول العالم، لأن الجدران موجودة في كل مكان، وهذا هو جوهر فن الجداريات: الجدران الرمادية تصبح لوحة فنية تحمل رسالة!
من رسومات الشوارع الصغيرة إلى الجداريات الضخمة التي تغطي الشوارع بأكملها، فإن الجداريات أكثر من مجرد طلاء على جدار. إنها تحكي قصصًا، وتُعد وسيلة للتواصل والتوثيق، وتُعبّر عن آراء، وتحوّل مدن اليوم الرمادية إلى أعمال فنية نابضة بالحياة.
نعتبر فن الجداريات أحد أكثر أشكال الفن إثارةً في عصرنا، فهو يجمع بين الإبداع والثقافة والقضايا الاجتماعية في صورٍ آسرة. سواءً في برلين أو نيويورك أو مدينتك، تتمتع الجداريات بقدرةٍ على تغيير الأماكن وإلهام الناس، وهذا تحديدًا ما يُمثله فريقنا في متحف إيلوزيوم برلين.
![]()
جدارية لسيدة سودانية ترتدي الثوب، على أحد المباني في شارع رئيسي بمدينة دوسلدورف الألمانية،
بأسم(يلا) . للتشكيلية: جوليا بينز
استخدامات الرسوم الجدارية
تتعدد استخدامات الرسومات الجدارية لتشمل الديكور والتصميم الداخلي، التسويق والهوية التجارية، والرسائل التوعوية والاجتماعية، حيث تحول المساحات الفارغة إلى أعمال فنية نابضة بالحياة.تُصنف أبرز استخدامات الرسومات الجدارية كالتالي:
(١) في الديكور والتصميم الداخلي تجميل المساحات: تضفي الجداريات لمسة فنية ودفئاً على الغرف، وتكسرجمود الجدران الفارغة.خلق نقطة تركيز بصري: تُستخدم لجذب الأنظار في ردهات المنازل، أو غرف المعيشة.الوهم البصري: تعطي الجداريات ثلاثية الأبعاد (3D) اتساعاً للغرف الصغيرة أو تضيف عمقاً مميزاً للمكان.تخصيص المساحات: تعكس الذوق الشخصي وتُكمل هوية الغرف (مثل: رسومات هادئة لغرف النوم، أو رسومات ملهمة لمناطق العمل).
(2) في الأعمال التجارية والتسويق تعزيز الهوية البصرية: تستخدمها الشركات والمتاجر لنشر شعاراتها وتاريخها بطريقة إبداعية.الجذب السياحي والتجاري: تخلق واجهات المقاهي والمطاعم المزينة بالجداريات نقطة جذب مميزة، وتدفع العملاء لالتقاط الصور ومشاركتها (مما يدعم التسويق العضوي).
(3) في التوعية والفن العام التعبير المجتمعي والسياسي: تُعد الجرافيتي والجداريات وسيلة اتصال جماهيري للتعبير عن آراء الفنان والمجتمع.
(4) نشر التوعية: تُستخدم كرسائل بصرية تعليمية في الأماكن العامة (مثل الحملات الصحية والبيئية).
(5) إخفاء العيوب: تُعتبر حلاً عملياً لتغطية الخدوش أو التشققات على الجدران الخارجية والداخلية بطريقة جمالية.
نماذج مختلفة لاستخدام الجداريات
- معلم: Dr.Majdi Mohamed
- معلم: Dr.Majdi Mohamed